مقالات هويدي

 

نظرة في جماليات القرآن الكريم - فهمي هويدي - 8/12/2004

مقالة هويدي

مسروقة من

إن المتجول في رياض القرآن يرى بوضوح أنه يريد أن يغرس في عقل كل مؤمن وقلبه الشعور بالجمال المبثوث في جنبات الكون، من فوقه ومن تحته ومن حوله، في السماء والبر والبحر والنبات والحيوان والإنسان.

في جمال السماء يقرأ المسلم قوله تعالى: (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهَمْ كَيْفَ بَنَيْنَهَا وَزَيَّنَّهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ)[ق:6]. (وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ)[الحجر:16].

وفي جمال الأرض ونباتها يقرأ: (وَالأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ)[ق:7].(وَأَنزَل لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ)[النمل:60].

وفي جمال الحيوان يقرأ قوله تعالى عن الأنعام: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)[النحل:6]. وفي جمال الإنسان يقرأ: (وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)[التغابن:3]. (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ * فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ) [الانفطار:7،8].

وهكذا فإن المؤمن يلاحظ وهو يقرأ كتاب الله أنه يُدفَع لأنه يرى يد الله المبدعة في كل ما يشاهده في الكون، ويبصر جمال الله في جمال ما خلق وصور، يرى فيه (صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ)[النمل: 88]. ( الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ)[السجدة:7]. وبهذا يحب المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله، لأنه أثر جمال الله جل وعلا، وهو يحب الجمال كذلك لأن ربه يحبه، فهو جميل يحب الجمال.

إن المتجول في رياض القرآن يري بوضوح :‌ أنه يريد أن يغرس في عقل كل مؤمن و قلبه الشعور بالجمال المبثوث في أجزاء الكون من فوقه و من تحته و من حوله : في السماء‌ ، و الأرض ، و النبات ، و الحيوان ، والإنسان .  

في جمال السماء يقرأ قوله تعالي : ( أَفَلَمُ يَنظرواُ إِلَى السَمَاءِ فَوُقَهمُ كَيُفَ بَنَيُنَهَا وَ مَا لَهَا مِن فروِجِ) سورة ق (6).

(وَلَقَدُ جَعَلُنَا فِي السَمَاءِ بروجَاَ وَزَيَنَهَا لِلنَاظِرِينَ) سورة (16).

وفي جمال الأرض و نباتها يقرأ : ( وَالُأَرُضَ مَدَدُنَهَا وَأَلُقَيُنَا فِيهَا رَوَسِيَ وَأَنبَتُنَا فِيهَا مِن كلِ زَوُجِ بَهِيِجِ) سورة ق (7).

(وَأَنزَلَ لَكم مِنَ السَمَاءِ مَاءَ فَأَنبَتُنَا بِه حَدَائِقَ ذَاتَ بَهُجَةِ ) سورة النمل(60) . 

و في جمال الحيوان يقرأ ما ذكر ناه قبل عن الأنعام : ( وَ لَكمُ فِيهَا جَمَال‏‏ حِينَ ترِيحونَ وَ حِينَ تَسرَحونَ) سورة النحل (6) .

و في جمال الإنسان يقرأ: (وَ صَوَرَكمُ فَأَحُسَنَ صوَرَكمُ ) سورة التغابن(3) ، (الَذِي خَلَقَكَ فَسَوَك فَعَدَلَكَ (7) فِي أَيِ صوَرَةِ مَا شَاءَ رَكَبَكَ (8) ) سورة الانفطار. 

 

إن المؤمن يري يد الله المبدعة في كل ما يشاهده في هذا الكون البديع ،و يبصر جمال الله في جمال ما خلق و صور ، يري فيه ( صنُعَ اللَهِ الَذِي أَتُقَنَ كلَ شَيُءٍ ) سورة النمل(33) ، ( الَذِي أَحُسَنَ كلَ شَيُءٍ‌ خَلَقَه, ) سورة السجدة(7).  

و بهذا يحب المؤمن الجمال في كل مظاهر الوجود من حوله ؛ لأنه أثر جمال الله جل و علا .

و هو يحب الجمال كذلك ؛ لأن «الجميل» اسم من أسمائه تعالي الحسنى و صفة من صفاته العلا .

و هو يحب الجمال أيضاً ، لأن ربه فهو جميل يحب الجمال

 

في معرض الامتنان بالإنعام يقول الله سبحانه وتعالى: (وَالأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ)[النحل:5] هذا إشارة إلى الشق المتعلق بالمنفعة والفائدة. ثم يقول: (وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ)[النحل:6]. وفيه إشارة وتنبيه إلى الجانب الجمالي في العلاقة. في نفس السياق يقول سبحانه وتعالى: (وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً)[النحل:8]. ذلك أن الركوب يحقق المنفعة المادية وتتحقق العلاقة الوظيفية، أما الزينة فهي متعة جمالية تريح النفس وتبهج العين. وفي ذات السياق بنفس السورة، تحدث الله تعالى عن تسخير البحر فقال: (وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا)[النحل:14]. إذ لم يقصر فائدة البحر على العنصر المادي المتمثل في استخراج ما يؤكل منه، بل ضم إليه الحلية التي تلبس للزينة، فتستمتع بها العين والنفس.

 

يقول الله تعالي في معرض الامتنان بالأنعام : (وَ الأَنُعَمَ خَلَقَها لَكمُ فِيهَا دِفُ ء“ وَمَنَفِع وَ مِنُهَا تَأُكلونَ) النحل (5) ، و في هذا تنبيه على جانب المنفعة والفائدة ، ثم يقول : ( وَ لَكمُ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ ترِيحونَ وَ حِينَ تَسُرَحونَ) النحل (6) ، فهذا تنبيه على جانب الجمالي ، حيث يلفتنا إلى هذه اللَوحة الربانية الرائعة‌، التي لم ترسمها يد فنان مخلوق ، بل رسمتها يد الخالق سبحانه . 

و في نفس السياق يقول سبحانه : ( وَ الُخَيُلَ وَ الُبِغَالَ وَ الُحَمِيرَ لِتَرُ كَبوها وَزِينَة ) النحل (8)  فالركوب يحقق منفعة مادية مؤكدة ، أما الزينة فهي متعة جمالية فنية ، بها يتحقق الكامل للوفاء بحاجات الإنسان ، كل الإنسان

و في هذا السياق من نفس السورة امتن الله تعالي بتسخير البحر فقال : ( وَ هوَ الَذِي سَخَرَ الُبَحُرَ لِتَأُكلواُ مِنُه لَحُمَاَ طَرِيَاَ وَ تَسُتَخُرِجواُ مِنُه حِلُيَةَ تَلُبَسونَهَا ) النحل (14)  ، فلم يقصر فائدة‌ البحر على العنصر المادي المتمثل في اللحم الطري الذي يؤكل ، فينتفع به الجسم  ، بل ضم إليه الحلية التي تلبس للزينة ، فتستمتع بها العين والنفس .

هذا التوجيه القرآني تكرر في أكثر من مجال، مجال النبات والزرع والنخيل والأعناب والزيتون والرمان، متشابها منه وغير متشابه، ففي سورة الأنعام يذكر البيان الإلهي الزرع وجنات النخيل والأعناب فيقول: (انظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ)[الأنعام:99]. في هذا التوجيه يقول سبحانه وتعالى: لا تقفوا عند حد الأكل وإشباع البطون، ولكن تفكروا في الأمر وانظروا كيف جاءت الثمرة ثم أينعت، ولا تنسوا أن ذلك من بديع صنع الله، وآياته التي ينبغي أن يعيها المؤمنون.

 

وهذا التوجيه القرآني تكرر في أكثر من مجال ، ومن ذلك : مجال النبات والزرع والنخيل والأعناب والزيتون والرمان متشابهاً وغير متشابه ، يقول تعالى في موضع من سورة الأنعام : ( كلواُ مِن ثَمَرِهِ إذا أَثُمَرَ وَ ءَ تواُ حَقَه, يَوُمَ حَصَادِهِ وَ َلا تسُرِ فواُ ) الأنعام(141)

و في موضع آخر من نفس السورة يقول بعد ذكر الزرع و جنات النخيل والعنب ( انظرواُ إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثُمَرَ وَيَنُعِهِ ج إِنَ فِي ذَلِكمُ َلايَتِ لِقَوُمَ يؤُمِنونَ) الأنعام(141)

 فكما أن الجسم في حاجة إلي الاستمتاع بالنظر إلي ثمره إذا أثمر  ينعه . و بهذا يرتفع الإنسان أن يكون همه الأول أو الأوحد هو هم البطن !

أنظر : نظرة في جماليات القرآن الكريم

أنظر : كتاب الإسلام والفن

فهمي هويدي - 8/12/2004

يوسف القرضاوي

ملف هويدي 

الصفحة الرئيسية